يصعب علي أن أقف اليوم لتأبين رجلٍ ترك إرثا في الحياة الثقافية حافلا بالقيم و الجمال والفكر المفعم بالمعاني الإنسانية العميقة بدلالتها ورمزيتها. وأتساءل هل نحن حقا نقف لنؤبن مثقفا وطنيا حمل هموم وطنه المثقلة بالألم والمأساة بكل تفاصيلها وأشكالها وألوانها، بقلبه المرهف بالحس الإنساني الرقيق،أقول يصعب علي أن أقف في تأبين عاشق فلسطين، عاشق القدس التي عاشت في قلبه وسرت في قطرات دمه من الوريد إلى الوريد فأحبها ودافع عنها بشراسة المرهف وصلابة الحنون الدافيء.
رحل عنا الشاعر والأديب الفلسطيني علي الخليلي في الوقت الذي نحن أحوج إليه من أي وقت مضى ,ذلك أن شعبنا وقضيتنا الوطنية اليوم تستدعي من كل الأدباء والكتاب في الداخل والخارج أن يظلوا على نفس الموقف والهدف, مستمرين في النضال على صعيد الجبهة الثقافية التي لا تقل أهمية عن النضال في سائر الجبهات الأخرى.
يرحل عنا شاعرنا المقدام ونحن نبذل الجهود فلسطينيا وعربيا ودوليا لتعزيز اسم فلسطين كدولة عضوا في هيئة الأمم المتحدة. خاصة في منظمة اليونسكو, وفي كافة المحافل الإنسانية ومنظمات المجتمع الدولي. وهذا الجهد الذي تقوم به القيادة الفلسطينية هو ما كرّسه وأكّده شاعرنا المرحوم علي الخليلي في كافة إبداعاته الأدبية شعرية كانت أم روائية أم تراثية أم نقدية.
نعم أيها الأخوة والأخوات,
لقد وهب شاعرنا المناضل علي الخليلي عمره منتصرا لقضية شعبه العادلة, ومدافعا صلبا عن الثوابت الفلسطينية و الحقوق المشروعة وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
لقد أسهم المرحوم الأستاذ علي الخليلي في إثراء الثقافة الوطنية من خلال ما أبدعه في حياته, وفي الحفاظ على الشخصية الفلسطينية أمام كل محاولات الاحتلال تهميش وتبديد هذه الثقافة وهذه الشخصية.
ونتيجة لتميزه بين زملائه الأدباء و الكتاب على صعيد الوطن الفلسطيني , تبوّأ الأستاذ علي الخليلي مكانا مرموقا في الوسط الثقافي والأدبي الوطني, لقد تميز بالبساطة والطيبة و دماثة الخلق والصدق ولباقة الحديث وحسن المعشر و الحرص على الارتقاء بثقافتنا إلى أعلى المستويات.
وعندما عاد من ليبيا إلى أرض الوطن في منتصف سبعينيات القرن الماضي , اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي وزجّت به في زنازين وأقبية سجن نابلس لكسر إرادته وثنيه عن الكتابة وممارسة النشاط الوطني, لكنه رفع شعار الصمود و التحدي و أبدع في سجنه روايته الشهيرة " المفاتيح تدور في الأقفال".
وعند خروجه من السجن واصل نشاطه الأدبي والثقافي من خلال جريدة "الفجر" المقدسية , حيث أشرف على الصفحة الثقافية فيها, وكتب الشعر المقاوم واهتم برعاية المواهب الشابة, وفي سبيل تعزيز الثقافة الوطنية ومد جسور التواصل الثقافي مع العالم العربي, أصدر مجلة " الفجر الأدبي" في بداية الثمانينات . وهذه المجلة لعبت دورا مهما في إبراز الأقلام و المواهب الشابة التي كان يرعاها أديبنا المرحوم الخليلي ويوجهها ويكتب عنها.
كذلك أسهم في تشكيل لجنة الكتاب في جمعية الملتقى الفكري في القدس, والتي اعتبرت أول نواة لاتحاد الكتاب الفلسطينيين.
وواصل إصدار مجموعاته الشعرية والتراثية وكتابة المقالات والدراسات التي تتحدث عن طموحات شعبنا وآلامه وآماله في التحرر من القيود والتي عملت على تعميق الوعي الوطني لدى أبناء شعبنا, متحديا بذلك سلطات الحكم العسكري الإسرائيلي التي دأبت على استدعائه والتحقيق معه وتهديده.
كان بسيطا متواضعا خجولا حساسا وصاحب قلب كبير يسمو فوق كل عيب يواجه الأمور بكبرياء المثقف الكبير و يعلو على الجراح و لا يستطيع الا أن يكون علي الخليلي الكريم الدافيء المحب الودود لكل من أحب فلسطين، مناضلا ومثقفا يمتلك رؤيا ثقافية و فكرية واسعة مجبولا بحب فلسطين وترابها المقدس الطهور.
إننا في وزارة الثقافة يعتصر الحزن قلوبنا على فراقه ونتذكره كزميل وأخ عزيز, أسهم من خلال موقعه القيادي في الوزارة, في تأسيس المراكز الثقافية و تفعيل عملية النشر و التوثيق, مكملا مشواره في رعاية الأدباء والكتاب و تخليد الراحلين من المبدعين الفلسطينيين، و كان أخا للجميع يقدم كل ما عندة من تجربة و نصيحة لكل زملاءة.
و حين قررت وزارة الثقافة استحداث شخصية العام الثقافية عام 2011 لم تجد غير علي الخليلي يستحق هذا اللقب في ذلك العام و كل عام فلم تجد معترضا أو منتقدا بل كان إجماعا وطنيا وأعطى اللقب قيمة اضافية من مكانته العالية و حب الجميع لعلي الخليلي الإنسان و المثقف المعطاء. كما استحق نيل وسام القدس للثقافة و الفنون من الدرجة العالية لما قدمه من اسهامات في الحياة الثقافية الوطنية و التي أثراها من فكرة و أخلاقة و تجربته.
وإننا في هذا الموقف الجلل نتقدم باسم وزارة الثقافة من أسرة الصديق المرحوم علي الخليلي وزوجته وأبنائه وأخوته وأخواته وأقاربه وعموم شعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج, بأحر التعازي وأطيب آيات المواساة, مؤكدين في الوقت نفسه أن هذا الشعب الذي أنجب شاعرا وأديبا فارسا كعلي الخليلي سيستمر في عطائه من خلال الأجيال القادمة التي ستحمل رايته وراية الخالدين أمثاله وتتوارثها جيلا بعد جيل حتى يتحقق حلمه وحلمنا جميعا في التحرر من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .
رحم الله فقيدنا الغالي الأستاذ علي الخليلي وأسكنه فسيح جناته مع النبيين و الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ملاحظة : - الكلمة أُلقيت في المهرجان التأبيني للشاعر الكبير علي الخليلي والذي أُقيم في جامعة النجاح الوطنية بتاريخ 2/12/2013

