تراثنا الفلسطيني جذر وجودنا وصمّام بقائنا، نتشبث به كما شجر الزيتون في حضن أرضنا الفلسطينية الخضراء، تعلو هاماتنا به عالياً، ونرفعه سلاحاً فاعلاً في معركة إثبات ذاتنا الفلسطينية المعرّضة للمحو على يد احتلال يسرق الأرض والثقافة والحضارة والحياة.
واجه شعبنا الفلسطيني الصامد منذ اقتلع من جذره عام 1948م، ودُمِّرَت مدنه وقراه، ظروفاً مأساوية لم تزده إلاّ قوةً وصلابةً في الارتباط العضوي بأرضه ثقافياً ووطنياً وتراثياً. فمنذ ذلك الوقت وشعبنا، في أماكن تواجده كافة، داخل الوطن وفي الشتات ما يزال يبدع لينعمَ بالحياة ، ويناضل من أجل عودته إلى وطنه السليب، ولم يسمح للظروف الصعبة والمعقدة التي مرّ بها أن تخدش من هويته الثقافية والوطنية.
لقد شكّل التراث الفلسطيني رأس الحَربة في معركة الدفاع عن وجودنا، وعن شخصيتنا الوطنية الفلسطينية أمام عدوّ حاول ولا يزال، إضفاء المشروعية على سرقتهِ لوطننا الفلسطيني وللشواهد التراثية والحضارية والثقافية التي تميّز بها شعبناعلى مرّ العصور.
وفي غزة الحبيبة، تجلّى السعي الصهيونيّ إلى تدمير المنجزات التراثية والثقافية بأبشع صوره، إذ إن الحرب الأخيرة على قطاع غزة الجريح، لم تنهش الأرواح البريئة والبيوت والضحكات فحسب، بل طالت المدارس والجامعات والمسارح والمراكز الفلسطينية التراثية، وهجّرت وقضت على أرواح عدد من الرواة الشعبيين للتراث الفلسطيني، ناسفة من الذاكرة الفلسطينية التراثية كماً نوعاً لا يستهان بأهميته في السجل التراثيّ الفلسطينيّ، في محاولة مستمرة بائسة إلى قلع الوجود الفلسطيني الصامد بكل مكوناته وحبه للحياة.
أيتها الأخوات، أيها الأخوة:
إننا في هذا اليوم السابع من شهر تشرين الأول، نحتفل كما نفعل كل عام ، بيوم التراث الفلسطيني، تراثنا الذي نزداد إيماناً به وتمسّكاً بعراقته وامتداداه الحضاريّ، ونزداد إدراكاً لخطورة المشروع الصهيونيّ الساعي إلى إضفاء ملكيته لكل موروث فلسطيني في صوره كافة، المادية منها واللامادية، من الزي الشعبي إلى الأكلات الشعبية والتطريز والغناء والرقص والزخرفة والنحت والعمارة ولأي موروث ذي بصمة فلسطينية لن تزول.
يا أبناء شعبنا العظيم:
نحن كفلسطينيين نعي كل الوعي أن قدسنا عاصمة دولتنا ودرّةُ تاجها, تقع على سلم أولويات ذلك المشروع الصهيوني الساعي إلي طمس معالمها العربية الإسلامية وتحويلها إلى تراثٍ يهودي توراتيّ, فها هي حكومة الاحتلال تمعن في تغيير أسماء حارات القدس وساحاتها وبيوتها الأثرية وتبني الكُنُس والمدارس الدينية اليهودية, وتطرد سكانها الأصليين وتصادر أوراقهم الثبوتية وممتلكاتِهم، وتطلق العنان لسوائب المستوطنين المتطرّفين لإقامة شعائرهم الدينية في المسجد الأقصى المبارك مستفزّة مشاعر أبناء شعبنا ومشاعر المسلمين في دول العالم كلها، ساعية إلى إلغاء الوجود الفلسطيني العربي الاسلامي فيها وتهويدها بشكل كامل ، لتصبح عاصمةً للكيان المستبد, ولحلمه الواهي.
إننا في وزارة الثقافة، واستناداً إلى يقيننا بأهمية تراثنا وحمايته من التبديد، ندعو إلى زيادة الاهتمام الأكاديمي بمواد التراث الفلسطيني، وبتكثيف الحرص على عرضها وإحيائها في ذاكرة طلاب المعاهد والجامعات الفلسطينية خاصة، لنبقى على صلة وثيقة بإرثنا الإبداعي الغزير، ولنبرز تراثنا الوطنيّ كمعطى إنساني ذي صلة باللغة والتاريخ والحضارة والحياة، وكمعطى تاريخي قادر على التجدد ومواكبة التطورات التي من شأنها إعلاء دور الإنسان الفلسطيني، في حركة الوعي الإنساني الشاملة التائقة إلى التغيير والدخول في منجزات الحضارة.
أيها الأخوة والأخوات,
من حقنا أن نفاخر بتراثنا الذي شكّل عنصراً محورياً من عناصر المواجهة مع المحتل الغاصب لإثبات الذات الفلسطينية، وإننا في الوقت نفسه إذا لم نُراعِ الصيرورة التراثية والتحولات التي خضع لها تراثنا عبر الزمن فإننا نمر بانعطافٍ جذريّ في نظرتنا إلى التراث الفلسطيني, وعلينا أن نلقي بالواقع الراكد خضّة قوية تفتح باباً إلى السجال حول صيرورة التراث ومعناه وشموليته وحداثيته. وستبقى ذاكرتنا حية منقوشة على بوابات القدس وحجارة أسوارها وبيوتها العتيقة، ونحن نواجه الرصاص بالدم وبموروثنا الإبداعيّ، وبحبّنا للحياة ما استطعنا إليها سبيلاً.
عاشت فلسطين

