أصحاب السمو والمعالي وزراء الثقافة المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
يأتي اجتماعنا اليوم لنجدّد ترديد الصوتَ الغائب، صوتُ الفِكرِ المستنيرِ والرؤية الواعية في وقتٍ عصيبٍ تمرُّ به المنطقة، لا سيّما ما نشهده من تعالٍ في ظواهر التطرّفِ والارهاب.
لم تَعُد لغة السياسة وحدها تكفي لحماية مقدرات وحياة الإنسان العربي، إذ لا بدَّ من توظيف كل ما هو متاح من إمكانات وقُدُراتٍ وأدواتٍ فاعلة تحفظ هويّتنا العربية مما يتهددها من مخاطرَ وتحديات متعدّدة الأوجه والأهداف.
ولعلّ العمل العربي المشترك في المجال الثقافي واحدٌ من أهم العوامل المنتجة للرّؤى والأفكار التي تعزّز منظومة الحماية لما يتعرض له التراث الثقافي العربي والإسلامي والمسيحي في عددٍ من البلدان العربية ونخص هنا ما يلحق بالقدس من تهديدٍ محدقٍ، ينذر بسياساتٍ غاية في الخطورة تحاول إسرائيل تثبيتها على ارض الواقع في سباقٍ ظالمٍ مع الزّمن وبرعاية صمتٍ دوليٍّ مريب، فالقُدس وسائر الأراضي المحتلة في فلسطين بحاجة حقيقية الى تطبيق الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التراث في الأراضي المحتلة، إن المحاولات الفلسطينية المكثفة والنشطة لم تثمر حتى الآن في احراز ايّ تقدم يذكر لِلَجْمِ سياسة حكومات إسرائيل المتعاقبة الرامية الى احلال الهوية الاسرائيلية بدلاً عن الهوية العربية الاسلامية المسيحية في القدس، ما يدعونا الى بحث السبل الممكنة - عربيا واسلاميا – لِصَوْنِ القدس ومقدساتها من العبث والتمزيق والتضييع. لقد عملنا على انجاح الاحتفاء بالقدس عاصمة دائمة للثقافة العربية تأكيداً على عروبة القدس والتصدي للمحاولات الإحتلالية لتهويدها وحجبِ معالمها الثقافية والحضارية والتاريخية واختراع تاريخٍ آخر لها، وفي سبيل ذلك تم عقد مؤتمر “القدس ثقافة وهوية” الذي تنظمه اللجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للثقافة العربية للمرة الثانية على التوالي منذ العام، وتم منح جائزة القدس للثقافة والإبداع للمرة الثالثة منذ العام 2012، واننا نشكر أشقاءنا العرب على دعمهم المتواصل وإسهاماتهم الكريمة في إسناد البنية التحتية الثقافية في المدينة المقدسة، الا ان حجم الهجمة على المدينة يتطلّب مزيداً من الجهد والدعم ليس المادي منه فقط بل والمعنوي ايضاً، وذلك بتنظيم الزيارات الرسمية العربية الى المدينة والوقوف على ما تتعرّض له من انتهاكاتٍ صارخة.
أصحاب السمو والمعالي ...
لقد تعرّض الشعب الفلسطيني بفعل الاحتلال إلى الكثير من القتلِ والحصارِ والخيبات على مر السنين، ولم يكن بوسعِه سوى الثّبات والبحث عن أسباب جديدة للحياة تعزّز من وجوده على هذه الأرض المسروقة، ولعلَّ ما تعرّضت له غزّة خلال السنوات الماضية من عدوان وحصار وقتل، يختزل المعاناة الفلسطينية ويلامس الضمير البشري المتأزّم ويدخل العالم في مأزقٍ أخلاقي متجدّد.
من هنا وجدنا اننا بحاجة الى تطوير آليات ثقافية بدعمٍ عربي مشترك لمواجهة الآثار العميقة التي سببها العدوان الهمجي، مما زاد من معاناة شعبنا جراء الاحتلال الاسرائيلي الغاشم وسياسته العدوانية تجاه شعبنا وأرضنا، وانفلات قطعان المستوطنين لتعيث فساداً وخراباً في ارضنا، وخاصة في القدس عاصمة دولة فلسطين الى الأبد. لقد زادت حالة الإحباط لدى أبناء شعبنا إخفاق الجهود العربية من الحصول على قرار أممي من مجلس الأمن لإنهاء الإحتلال وفق إطار زمني يفتح الأبواب لمسار جديد من التحرك لتحقيق الأهداف الوطنية التي أجمعنا عليها فلسطينيا و عربيا و إسلاميا ودوليا مما يتطلب منا وضع إطار خلاق في العمل العربي الثقافي المشترك لتحصين أمتنا من حالات التطرف و الإنحراف عن موروثنا الثقافي و يعمل على تحقيق أماني الأمه في إنهاء الإحتلال و إزدهار شعوبنا للوصول الى تحقيق نوعية من الحياة ملائمة لأجيالنا القادمة .
إن كل ذلك منغرس في ثقافتنا الفلسطينية ويشكل عَصَبَها الأساس الذي يحمي ثقافتنا من التطرّف أو التقوقع حول ذاتها، فهي امتداد لا شك فيه لثقافة عربية ممتدة الجذور عبر التاريخ تنطلق من كونها حاضنة للإبداع الثقافي والفكري والوطني والقومي ومتمسكةً في نفس الوقت ببعدها الإنساني الأصيل.
إن لغتنا العربية تبث نورها متجلياً يتصاعد كنفحات عطر باذح الحضور. ونسجّل هنا أن اللغة العربية تفوقت على نظيراتها من اللغات التي وجدت في حينها من: فارسية وآرامية وسريانية ورومية، التي لم تعد موجودة إلا في التراث، بينما ظلت اللغة العربية حية ومتجددة.
وعليه، فإن مشروعاً يستهدف انتشار اللغة العربية في العالم، لا بد أن ينطلق من مجتمعات تعرف قيمة لغتها وتراثها الحضاري والثقافي بكل المعاني الدافقة عبر أبرز تجليات الغوص في مكنوناتها الإنسانية.
على أن هذا التوجّه المستنير المضيء والحريص على اللغة وبيانها وبلاغتها سيكون مدداً لنا في تعميق الهوية الثقافية العربية وبديهيات الانتماء للعروبة..
أخيراً، لا يسعني الا ان اتقدم بالشكر العميق للأشقاء في المملكة العربية السعودية على رعايتهم لهذا المؤتمر، وحماية الثقافة العربية كركن فاعل من اركان الاستقرار والتطور والنمو، وشيوع السلم المجتمعي، والشكر موصول للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم على جهودها في ترسيخ الثقافة العربية وتطويرها. متمنين لهذا المؤتمر النجاح وتحقيق الأهداف التي انطلق من أجلها.

