الرئيسية » districts_news »   طباعة الصفحة

احتفالية بصدور كتاب" الفلسطينيون والمنفى"

نظمت وزارة الثقافة- مديرية بيت لحم وجماعة الباب الأدبية ومركز المعلومات البديلة في المركز الروسي للثقافة والفنون، احتفالية على شرف الكاتب محمد نعيم فرحات، بمناسبة صدور كتابه "الفلسطينيون والمنفى:دراسة في بنية الوعي والثقافة: إنتاج الانكسارات أو المقاومات المحبطة" حضرها حشد من المهتمين.

وتحدث أمام الاحتفالية عباس زكي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ،وقدم شهادة في الكاتب بحكم معرفة وثيقة تقوم بينهما منذ ثلاثين عاما خلت قال فيها " لقد كان محمد نعيم فرحات مثقفا من طراز خاص، حكمته دائما رؤية أصيلة شديدة الحيوية، كانت تؤسس لموقفه ورأيه أيا كان شكل تعبيره عن ذلك، ودائما كنا نجد عنده بعدا مختلفاً وبناءً نحتاجه في خطواتنا السياسية، واليوم نحتاج لذلك أكثر من أي وقت مضى.

وأضاف زكي بأنه وبحكم قرب محمد فرحات من الوسط السياسي الفلسطيني، فلطالما اعتمدنا عليه وعلى مشورته كي يشاركنا في إيجاد المخارج للازمات والمأزق التي تقلبنا فيها، وفي كل لحظة كان له رأي خلاق، أصيل، وظل مثابرا في شد خطواتنا إلى المرجعية الثقافية المناسبة حفاظا على التماسك والفاعلية، ولعب دورا متواصلا في تذكير السياسة الفلسطينية بما هو لازم، وما هو ضروري، وما هو ناقص في مقاربتها للمسائل والقضايا.

ونوه زكي إلى أن فرحات مثقف متكامل إلى حّد بعيد، ومنخرط من خلال أشكال متعددة في المشهد الفلسطيني، وله رأي يتزود بقوة نقدية يصعب رفضها، لأنها نقدية مسئولة في خلفياتها ، رشيقة في تعبيراتها وصادقة في غاياتها.

وأمل زكي أن تكون أوراق محمد فرحات المتطايرة عنوانا لمشروع فكري ثقافي متواصل، وختم شهادة بقوله أنه لم يفاجأ بدرجة عمق واتساع وجمال مقاربة محمد فرحات، لأنه كان كذلك دائما أيا كان شكل تعبيره عن نفسه أو موقفه.

بدوره قال الأستاذ نافذ الرفاعي رئيس جمعية الباب بأن كتاب فرحات يعتبر المساهمة الأكثر عمقا وشمولا التي تقدم في الشأن الفلسطيني في السنوات الأخيرة، وتشكل امتدادا بمقدار ما هي إضافة نوعية ومُجِددٍ في آن، للخطاب الفلسطيني الأصيل الذي كان إدوارد سعيد وإبراهيم أبو لغد وفيصل دراج والياس صنبر وعبد اللطيف عقل بعض أسمائه الكبيرة .

وأضاف الرفاعي بان مقاربة محمد نعيم فرحات تناولت الحالة الفلسطينية المعاصرة وتعقيداتها المختلفة من خلال منظور سوسيولوجي وثقافي وفكري عميق ومتين معا، و تتبع منحنيات السياسة ، منوها إلى أن فصولها الخمسة الممتدة على 130 صفحة مكثفة وكأنها 1300 صفحة في فقه التاريخ الفلسطيني المعاصر، تناولت ماضي الفلسطينيين وحاضرهم ومستقبلهم على نحو مختلف عن المعهود.

وأشار الرفاعي إلى أن جمعية الباب الأدبية التي تشارك كطرف منظم لهذه الاحتفالية، تعتبر اللقاء 81 الذي تحمله سلسلة فعالياتها المتمثل في هذه الاحتفالية هو التتويج العالي لجهودها ، لأنها تشارك وزارة الثقافة ومركز المعلومات البديلة في حدث له دلالة كبيرة وعميقة، منوها إلى عنوان السلسلة المتوقعة للكاتب نعيم فرحات والتي حملت اسم "أوراق متطايرة" هي في حقيقتها كما تبدو في فصلها الأول، أوراق راسخة تثير وتستدعي نقاشا عميقا وممتدا يحتاج إليه الفلسطينيون بقوة كما أفصحت الدراسة عن ذلك .

من جانبه قدم الأستاذ عزيز العصا قراءته للكتاب، وأشار إلى انه إنتاج اعتمد بصورة مركزية على مصدرين: فكرة الكاتب العميقة عن الواقع ومرجعيات تناولت المرحلة بشمول وعمق تعود لحشد من كبار المفكرين .

وقال العصا إن دراسة فرحات تموضع نفسها بالأساس في الحيز المربك بين السياسة والثقافة، وحاولت فهم وتفسير العلاقة بين ما هو سياسي وما هو ثقافي في التجربة الفلسطينية، حيث توجد" العلة التاريخية المتواصلة" في حياة الجماعة الفلسطينية ، وضعف التثمير السياسي لقدراتها المختلفة، ومن هناك ذهبت نحو كل امتداد ممكن وببساطة وبعمق، لذلك قدم لنا صورة مكثفة عن مسارنا ومأزقنا، وكذلك الأمر عن الخصم وعن احتمالات الواقع ، وعن الدور الثقيل الذي تلعبه الثقافة عند الإسرائيليين كما عند الفلسطينيين، كل في سياقه وخصوصياته، واستعرض الطاقات التي تبديها الثقافة في محاصرة السياسة وتكبيلها بالأثقال.

من جهته أشار الكاتب نصار إبراهيم مدير مركز المعلومات البديلة في مطالعته للكتاب، إلى أن الكاتب قد قام بعملية تفكيك عميقة لبنية الوعي الفلسطيني وبنية المنفى، ثم قام بعملية أعمق في تركيب خلاصاته .

وأضاف نصار بان دراسة محمد نعيم فرحات قد كشفت عن عمق المأزق الذي يقوم بين الخيارات السياسية الفلسطينية من جهة ، والخيارات الثقافية الفعلية للجماعة الفلسطينية من جهة أخرى ، حيث ظلت الممارسات السياسية غير قادرة على الارتقاء لمستوى الاستعدادات الثقافية للجماعة، وهذه الإشكالية " المتكومة " في وجه الفلسطينيين، كما وصفها فيصل دراج في تقديمه للكتاب ، هي التي تقض مضاجع الفلسطينيين وتضعهم إزاء احتمالات صعبة وخطرة، مشيرا إلى أن الفاعلين السياسيين هم الذي يتحملون أولا وثانيا المسئولية عن تعثر المقاومة وإحباطها ، وختم بالتنويه إلى أهمية فكرة مركزية تقوم عليها الدراسة ، تلك التي تؤكد على الدور الحاسم " للعروبة " بمعناها العميق والفعال في تقرير مصير فلسطين، وقال إن الفضاء العربي المحيط بالفلسطينيين ورغم كل إشكالية العلاقة مع بناه السياسية قد مثل عاملا حاسما في منع اندثار الفلسطينيين في المنفى، وشكل حاضنة منعت ذوبان الهوية الفلسطينية.

أما الأستاذ جورج حزبون فقد شدد في قراءته للكتاب على أهمية الأفق الذي يفتحه باتجاه نقاش معمق وشامل، من المهم لوعينا أن يذهب إليه ، كما أن كتاب فرحات يمثل أعمق محاولة يقع عليها نظرنا، تمضي في هذا الاتجاه منذ سنوات كثيرة خلت.

وألقى الكاتب محمد نعيم فرحات بالمناسبة كلمة ثمن فيها دور المبادرين والمنظمين والحاضرين لهذه الاحتفالية، وباسمهم شكر المفكر والناقد الكبير فيصل دراج، الذي كتب تقديما للكتاب.

وقال فرحات بان هذا الكتاب قد أفصح ببساطة عن واحد من أهم أهدافه هو المشاركة في إثارة نقاش تقطعت به السبل عند الفلسطينيين منذ زمن، إذ نعيش في بيئة فيها الكثير من الكلام والقليل من النقاش والفرق بينهما هام.

وبحسب فرحات فقد حاول الكتاب الغمز من قناة الواقع القائم في عينه مباشرة ومن "وراء ظهره" معا، وتناول مشكلات الواقع وأزماته والسياقات التي أنتجتها ولا زالت ترعاها دون أن يفقد العلاقة القوية مع الرهان والأمل .

وأشار فرحات إلى أن الكتاب قام أيضا ببعض واجبه من خلال نثر "بعض "حرير النقد في وجه وضع متوتر ومأزوم وصعب يعيشه الفلسطينيون اليوم، وكان عليه أن يكون أكثر شجاعة في هذا المستوى لأننا نحتاج "لشهامة الشجاعة" كضرورة وليس كتمرين ذهني أو كترف .

ونوه الكاتب إلى أن قدرة الفلسطينيين على البصر قد تفوقت على نعيم البصيرة، وهذا ما يفسر- جزئيا- كيف أن المعانة لم تتناسب مع الحكمة في تجربة عذابهم الطويلة، في حين كانت الضرورة تتطلب منهم الذهاب لمنطقة الوعي البناء والفعال والمكابد والواعد والتعرف على فضيلة استخلاص العبر والدروس.

ولفت الكاتب إلى أن الدراسة ناقشت العلاقة بين الحق والاستحقاق ، مبينا أن وجود حق لديك يتطلب كي تستحقه ثقافة استحقاق تليق به وشروط ومتطلبات معروفة لا تحتاج إلى بيان،بيمنا توقفت الدراسة مطولا عند العلاقة " الخائبة" بين ما هو سياسي وما هو ثقافي في التجربة الفلسطينية، حيث لم تستخرج السياسية من الفلسطينيين ومن ثقافتهم أفضل ما فيهم.

وأشار الكاتب إلى أن الشعب الفلسطيني يتقلب منذ أكثر من قرن في جبهات حرب وطنية ممتدة ، فهو يحارب من أجل الوجود ومن أجل العيش ومن اجل الخبز، ويجب أن يكون ضد التكفير السياسي وكل أنواع التكفير هنا أو هناك ، وعليه أن يناضل من أجل تربية مبنية على إنتاج إنسان متكامل وفعال ، ويتعلم كيف يحب ، وكيف يخاصم العدو والخيبة والبؤس،وكيف يسالم ، وكيف يفاوض ،وكيف يستحق الأشياء ويكسب الرهانات ، وكيف يحافظ على النقد كقوة خلاقة بهدف تصعيد القدرة والبحث لها عن سند وعن أفق ، وأن يمنع اختلاط البدايات بالنهايات .

وقال فرحات بأن الفلسطينيين عندما فقدوا كل شيء "ولم يبقى لهم سوى الكلمات " على ما قال الراحل الكبير محمود درويش يوما، كما لم يبقى لهم سوى تصوراتهم الثقافية ، وهذا ما مكنهم من أن يصمدوا ويقاوموا ويحضروا وأن يعودوا من عمليتي التغيب والنفي التي تعرضوا لها، وعندما ألم بمناعتهم الثقافية (بعض) التصدع، عاشوا أوضاعا قاسية لم يكونوا بحاجة إليها ، وعرفوا الحيرة ومعنى التفتت والتشذي وضمور المعنى وانخفاض القيمة وتفسخ صورتهم وقدرتهم معا، ودفعوا جراء ذلك أثمانا باهظة، الأمر الذي يدعوهم لإعادة تنظيم العلاقة بين السياسة والثقافة على نحو مختلف عما فعلوه وعرفوه – حتى الآن- كمدخل لمعالجة أزمتهم البنيوية والموضوعية الصعبة ، وملاقاة التحديات التي تحاصرهم بفعالية .